حملة 15 آب حملة من أجل الحياة

حملة 15 آب حملة من أجل الحياة

كانت الشريحة الكردية العليا راضية عن اتخاذ مكانها في أجهزة الدولة بشكل مجرد من الكردياتية. ذلك أن التخلص من بلاء الكردياتية، وتمثيل التركياتيةالأفضل والتشبث بها، كان ملائماً جداً لسماتها التاريخية. فهي لم تُؤَدِّ دورها أبداً كناقلة وحاملة للغة الكردية أو ثقافتها. كان العيش بلغة وثقافة القوة المهيمنة ذاتالنفوذ قد تغلغل في جيناتها، منذ عهد السومريين. وحتى دورها في العصيانات، لم يذهب أبعد من استخدامها إياها كورقة ضغط، لاقتطاع نصيب أوفر لذاتهاعبر أساليب الابتزاز. لم يكن ثمة وجود لأي تأثير كردي في هذه الفترة، عدا بضعة من المثقفين السقيمين الواهنين، إلى جانب العصيان الكردي المندلع فيكردستان العراق، والذي كان له تأثير غير مباشر. بالإضافة إلى وجود بعض الإذاعات الكردية، التي كانت تبث برامجها في الخارج. ولولا هذين العاملينالأخيرين، لاستحال على الكرد التنبه لوجودهم. فالدولة – في المقابل – تؤجج من سياساتها المكثفة في الصهر، لدرجة تبلغ فيها حد التهديد تحت شعار "تكلمالتركية أيها المواطن"!. كان إصدار كتاب أو جريدة أو مجلة واحدة فقط باللغة الكردية أمراً بعيد المنال. يعتمد إخماد المشكلة ورذ الرماد عليها بهذا النحو، علىالافتراض بأن هذا هو الحل. سيلعب تسليط الضوء على هذه السياسات وتعريتها دوراً تنويرياً هاماً. هكذا كان سينقلب هذا الوضع إلى عكسه في السبعينات.   المرحلة التي تلت هذا الوضع هي تلك اللاحقة لحركة الشبيبة عام 1968، والمستمرة حتى راهننا. تجلى تأثير هذه الحركة بالأرجح في الجناح اليساري والشبيبة الكردية في تركيا. وفي هذه الأثناء، التي دار فيها جدل الدراسات الماركسية كثيراًبشأن القضايا الوطنية، قام المثقفون والشبان الكرد بتأسيس حركة "المركز الثقافي الثوري الشرقي DDKO" أولاً مع حلول السبعينات، لينقسموا بعد ذلك إلى أقسام بغرض بسط النفوذ. خرج PKK قوياً من الكفاح الأيديولوجي الشاق فيما بين 1970 – 1980، ليترك بصمته على المرحلة في عموم كردستان، بشروعه بقفزة 15 آب 1984 المجيدة. حيث عمل، ولأول مرة في التاريخ، على اتخاذ الإرشادات الأيديولوجيةوالسياسية المعنية بالكادحين الكرد أساساً لذاته؛ ليفلح في ضمان استمرارية حركة الحرية الكردية – بكل ما أسفرت عنه من مشاكل وحلول – حتى يومنا الراهن، دون أن تفقد من تأثيرها شيئاً. يستلزم النظر عن كثب هنا في المرحلة المقاربة لعشرة سنين حتى حين قفزة 15 آب المجيدة في 1984، وإدراك الوسط الأيديولوجي والسياسي الذي هيمن عليها. تُعتَبَر أعوام السبعينات بداية ظهور انكسارٍ وانحدارٍ هامَّين في تاريخ النظام الرأسمالي. فقد لملم هذا النظام أشتاته بعد الحرب العالمية الثانية، واستحوذت الولايات المتحدة الأمريكية على ريادته، بينما نجحت أوروبا في الوقوف على رجليهاوالثبات ثانية، ووُلِدَت اليابان كدولة عملاقة في الشرق الأقصى. وبينما وصل نظام الاشتراكية المشيدة ذروته، كانت الحركات التحررية الوطنية في أوج ازدهارها. في هذه النقطة بالذات، كانت الحركات الشبيبية تبتدئ بثورة ذهنية جديدة في عام1968. قد يُدهَش المرء لولوج نظام تاريخي واجتماعي يعيش أوجه كهذا، في مرحلة من الفوضى المتفشية. لكن، إذا ما استحضرنا ببالنا أن الخطوة التالية للقمة هي بداية السقوط، فسنقبل حينئذ بالرأي الأولي القائل بولادة مرحلة فوضى حقيقية ستعممتأثيرها بسرعة. وإذا ما ألقينا نظرة إلى الوراء اليوم، فسنجد أن المؤثر الأساسي الدافع لذلك، يكمن في عجز حركات التحرر الوطنية والديمقراطية الاجتماعية والاشتراكية المشيدة الهادفة إلى إقامة دولة، عن تحقيق وعودها للشعوب، رغموصولها إلى أهدافها واستمرارها أكثر من قرن ونصف. ومرة أخرى برز التساؤل المحيِّر: هل المسيحية هي التي فتحت إمبراطورية روما، أم العكس؟ لربما كان كلاهما ينطوي على بعض من الصحة. ذلك أنه عندما تهجنت المسيحية بثقافةالإمبراطورية في تركيبة جديدة، أفرزت إقطاعيةَ الشرق الأوسط، بحيث يمكن القول أنه تم الوصول بذلك إلى نظام اجتماعي مختلف، وإن لم يكن متكافئاً أو سلمياً، لأنه فقدَ نسبة كبرى من الحرية والمساواة في جوهره. أي أن التيارات الاشتراكية، والديمقراطية الاجتماعية، والتحررية الوطنية المتولدة في فترة ما نسميه بالطَّوْر الوحشي للنظام الرأسمالي، كانت مرتبطة بهذا النظام ومنبثقة منه. بالطبع، ليس من المنطقي الادعاء بأنها أعدت نفسها كتيارات احتياطيةللنظام بالمعنى الكلي للكلمة. لكننا نستطيع اليوم القول بكل راحة، أن تلك التيارات لم تُعنَ بمشاكل من قبيل تجاوز طراز حياة ذلك النظام أو اختراق عقليته. وحتى إن تطرقّتْ لذلك، فقد انحصرت في المجال النظري فحسب. أما الأيديولوجياتالمناشدة إلى الحرية والمساواة، فترجع أصولها إلى خارج نطاق المجتمع الطبقي والهرمي، حيث تتولد من الحنين إلى المواقف المشاعية والديمقراطية. إلا أننا على دراية بالعديد من الأمثلة التاريخية المشيرة إلى إصابة هذه الأيديولوجياتبالاضمحلال والانحلال على يد المجتمع الطبقي والهرمي، إلى أن فقدت مضامينها، إما بالعنف أو مقابل تنازلات معينة. وإذا ما وضعنا نصب أعيننا انهيار بلدان الاشتراكية المشيدة، والأزمة التي وقعت فيها الدول بعد تحررها الوطني، وتشابهالحكومات الديمقراطية الاجتماعية بالمحافظين المتزمتين دون بقاء فوارق جدية بينهما؛ سنلاحظ ونقول بارتياح أكبر، أن هذه التيارات لم تذهب أبعد من كونها مجرد مذاهب لذاك النظام. أما أزمة السبعينات، فهي على صلة وثيقة بإدراك النظام الحاكم ويقينه لانعدام إمكانية استفادته بالقدر الكافي من تلك المذاهب الاحتياطية بعد ذلك. تعد حركة الشبيبة الناشئة في عام 1968 بمضمونها، تعبيراً عن هذه الحقيقة. حيث لم تنُمّْ تلكالتيارات عن النتائج المرجوة. بل بقيت قاصرة عن الإيفاء بوعودها، رغم وصول ثلاثتها إلى السلطة. وتمخضت عن ولادة طبقة رأسمالية جديدة وبيروقراطية أخرى، كانت أكثر تخلفاً ورجعية من الرأسمالية الكلاسيكية في أغلب أبعادها. أماالأزمات والحريات المسلوبة واللامساواة المتفشية والمنبثقة من تلك التيارات، فولَّدت حالة من افتقادٍ وتَمَنٍّ للنظام الذي انتقدوه سابقاً. هذه الأوضاع الصعبة التوضيح والشرح، فرضت على القيادة العامة – التي يزداد عبئها، وتُحال إليها الأمور معالزمن – حتمية القيام بتحليلات شاملة، وتعميق التدريبات أكثر. ورغم ثقل كل المسؤوليات الذي لا يُحتَمَل، إلا أنها كانت تُنفَّذ وتُلبَّى بكل نجاح، لدرجة أن كل كادر مرشح – على وجه التقريب – تلقى المساعدات اللازمة لصون كرامته الثوريةبتفوق تجسدت الحملة الذهنية الكبرى الثانية التي قمتُ بها، في تقييماتي الصادرة باسم "مانيفستو ثورة كردستان"، التي كتبتُها بخط يدي في ديار بكر، في تموز عام 1978. كان المانيفستو متعلقاً بتأسيس الحزب المراد إعلانه. وقد نُشِرَ في أول عدد صدر لجريدة "سرخوبونSerxwebün"، التي كنا نخطط لإصدارها آنئذ. وإذا ما التفتنا قليلاً إلى الوراء، وتفحصنا المانيفستو ثانية؛ سيكون بمقدورنا اعتباره ذروةًجمعت مضامين اجتماع عام 1973 وتعاليم عام 1975 وأحاديث عام 1977 السريعة. جلي أنه يستحضر لذاكرتنا المانيفستو الشيوعي أيضاً. يتجلى هذا في مضمونه، الذي سُعِي فيه إلى مناشدة كل مجتمعات الشرق الأوسط بشكل غير مباشر،وعدم اقتصاره على الشعب الكردستاني فحسب. أما أسلوبه ومحتواه، فكانا أقرب إلى الحرية الاجتماعية منها إلى القومية. إذ، وكما لم نقبل فيه بقومية غير حرة، لم نفكر أيضاً بحرية تفتقر إلى الطابع القومي. كان لا مناص لنا من التسريع فيخطوة بناء الحزب بعد هذا المانيفستو. إذ لم يتبقَّ من الأمر سوى بعض المسائل التكنيكية الثانوية المتعلقة بتحديد الاسم، ومع من سنبدأ هذه الخطوة. كان تأسيس الحزب مسألة كرامة في تلك الأثناء. وكنا نفتقر حينها إلى الإمكانيات التي تمكننا من إعطاء الرد المناسب. لكن الفراغ المخيم في مسألة الكرامة، كان بارزاً في كل خطوة نخطوها. وكأن الدونية كانت متفشية في كل ما يمكن النظرإليه، والخيانة قد أصابت كل شيء وتغلغت فيه؛ الجبل والسهل، القرية والمدينة، التاريخ والحاضر، الفرد والمجتمع، الدولة والمواطن، المرأة والرجل، الطفل ووالداه، الطريق وعابره. بإيجاز، كان كل ثنائي منها ينم عن الخيانة والعمى. كان محتوماً علينا القيام بعمل ما. وكان تأسيس الحزب احتمالاً قد يساهم في إضفاء المعاني على هذه الثنائيات وإقحامها في طريق الحل. والمؤسَّس أصلاً لم يكن حزباً بمعناه الضيق المجرد، بل كان طرازاً لحياة جديدة. إذ كان لا بد من تحقيقالتحول والتغيير في الهوية. وما من ذريعة تعلل هذا التنافر البارز بين الوطن والتاريخ والعصرية. فمهما تكن ذرائعنا أو نقاط ضعفنا، فقد كان التدخل في الوضع القائم شرطاً أولياً لا مفر منه. كان بناء الحزب في هذه الحالة، أشبه ما يكونبالعملية الانتحارية. لكنه ليس انتحار فرد واعٍ، بل هو انتحار للقيام بتجربةٍ، قد تتيح فرصة للعيش الكريم المشرف، ولو بقدر رأس دبوس، كَرَدَّة فعل على حياة المجتمع الموجودة التي لا تطاق. أي أنه أقرب إلى عملية إنقاذ الكرامة والشرف.بمعنى آخر، كان بناؤنا للحزب شكلاً خاصاً لعملية الكرامة. وأنا شخصياً قد رجحتُ عملية إنقاذ الكرامة ذات الفحوى الاجتماعي التاريخي، بدلاً من التضحية بالذات في سبيل مصطلحات الشرف ذات الأهداف الضيقة، والتي طالما هربت منها منذنعومة أظافري. يصعب كثيراً تعليل هذه العملية أو إيضاحها بالمصالح الطبقية والوطنية والإثنية والدينية والعائلية السائدة. بل ستكون الإشادة بالعامل الأولي في ذلك على أنه عملية أناس ينتمون إلى شعب ما، وأنشؤوا ذواتهم بمشقة بالغة، وتنورواولو قليلاً؛ أقرب إلى الصواب. قد يمكن استيعابها أكثر، إذا شُبِّهتْ بمجموعة الفوضويين الروس (النارودنيكيون الروس) المشهورة تاريخياً. أما إذا أمعنا في تأثيراتها، فسيمكننا القول أن عملية بناء الحزب لعبت دورها المطلوب. يتضح ذلك منالتطورات التي أفرزتها، تجاوباً مع المتطلبات العامة، وعلى صعيد الكرامة، على حد سواء. أنشطتنا الذهنية، التي قمنا بها في بدايات الثمانينات، أقرب ما تكون إلى حل عقدة العلاقة القائمة بين السياسة والعنف. فالأحاديث المجراة بشأن دور العنف في كردستان، الجبهة التحريرية الوطنية، مسألة الشخصية، حول التنظيم؛ كانت موجهةلإيجاد حلول لمسائل ملموسة على أرض الواقع. لا يخلو الأمر من تأثيرات التجارب المعاشة في الشرق الأوسط، وخاصة القضية الفلسطينية - الإسرائيلية. إلا أن الأنشطة الذهنية المستمرة لسنين عدة، لم تفلح، سوى في جذب شريحة محدودة منالشبيبة وتوعيتها. أما عملية رجّ المجتمع عامة، وهزّه من الأعماق، فكانت مرتبطة بالخطوات السياسية والعسكرية، التي ستشمل الجميع في تأثيرها. وعملية التحزب الحقيقية كانت ستبرهن على رُشْدها بخطونا لهذه الخطوات، وإلا كان مقدراًعلينا الموت بمرض الطفولية. وعندما التحمَت مقاومات السجون مع نشاطاتنا في الشرق الأوسط، أصبحت حملة حرب الأنصار مسألة لا تقبل الجدل. لم يكن ثمة أية حملة مضادة مشرّفة بإمكانها إعاقة ذلك. فالدولة تمارس الإبادة والإنكار والاضطهاد الشامل. والظاهرتان كانتافي حالة من عدم الاعتراف المطلق، وعدم القبول المطلق لبعضهما البعض. أما البحث عن أجواء الاتفاق والمساومة، فكان هباءً. وصلنا إلى مفترق طرق؛ فإما أن نكون حركة لاجئة، أو حركة تحررية وطنية معاصرة، أي حركة تحررية شعبية. لقد كان لَوذُ حركة الحرية بالصمت الطويل الأمد، يلقي علينا مسؤولية ثقيلة الوطأة، قد لا نطيق تحمل عواقبها أمام التاريخ.خاصة وإن شهداء السجون وأجواء التعذيب، كانت تحتِّم القيام بعمل ما، وإلا، فلن نفلح في النجاة من التطبع بالخيانة. كانت قفزة 15 آب 1984 المجيدة – رغم تأخرها ونواقصها – رداً على هذه المخاوف.

قراءة المزيد
صفحة 1 من 1016 1 2 1٬016